17 أبريل, 2011

قراءة في عرض مسرحية (من القدس مع حبي )

قراءة في عرض مسرحية (من القدس مع حبي )







كما تعودنا ، من المخرج الفنان (كامل الباشا ) في مجمل أعماله المسرحية ، على مستوى عال من الحرفية الفنية في سوق هذه الأعمال وقيادتها – إخراجيا – من الألف إلى الياء ، فانه ، وعبر عروضه المتنوعة بإشكالها ومضامينها ، لا يكتفي بإمتاعنا وإدخال البهجة والسرور إلى قلوبنا وأرواحنا ، متخذا ذلك كهدف رئيسي أحادي الجانب ، يرتكز عليه (الباشا) في أعماله ، وساعيا من أجل تكريسه في هذه العروض ، بل نجده ، إضافة إلى محافظته على جانب المتعة ، يضعنا وجها لوجه مع أعماله الملتزمة التي ينبش من خلالها في مخيلة الملتقى ويطلق شرارة الذهن والتفكير ، ثم سرعان ما يراكم في ذاكرته كماً من الأسئلة الجادة حول أبعاد هذه المضامين وملابساتها ، من حيث بناء الفكرة ، وكيفية عرضها ، ثم القصدية / الهدف من ورائها .






ولعل في عرض مسرحيته ( من القدس مع حبي ) للكاتب المقدسي (عزام أبو السعود ) يترك لنا المخرج ( كامل الباشا ) أفقاً مفتوح الدلالات على فضاءات جمالية متعددة الاتجاهات ، لكن في نفس الوقت تصب كلها في قصدية واحدة تشكل بؤرة الحدث ومركزيته التي تمحورت حولها كل معطيات الفن المسرحي ، على مستوى الأداء الوظيفي في الأفعال المسرحية وأدواتها ، والمعطى الجمالي كبنية فنية درامية يقوم عليها العرض المسرحي بكليته ، وذلك في إطار متداخل ومتمازج يخدم الفكرة ويضعها على السطح في مواجهة جمهور المتلقين/ المشاهدين للعرض .


وإذا كانت المسرحية في وجهها العام ، كبنية أسلوبية شكلية ، قد وُضعت في قالب كوميدي باعث على الفكاهة والضحك الناتجين عن بعض الحالات التهكمية والمفارقات الضاحكة بين شخصياتها ومواقفها المتعددة ، فإنها ، وفي وجه آخر منها ، وعبر جانب مسكوت عنه وضمني في الدلالة والمعنى ، تتخذ طابعا تراجيديا مأساويا يختبئ خلف الوجه الكوميدي المباشر ، حيث تبرز لنا المسرحية في بعدها الضمني حالة من الألم والمعاناة الواقعة على شخصية ( ناجي ) الذي طرد من بيته في ( الشيخ جراح ، احد أحياء مدينة القدس) ليقيم في الشارع مع وجود مجموعة من المتضامنين معه ، كأصدقائه من الجيران وبعض الأجانب ، ولكنه في أثناء ذلك ، يكتشف أن له أختا في أمريكا ، فيبعث لها بواسطة صديقه ( رمزي ) عبر البريد الالكتروني طالبا منها القدوم ، وعندما تجيء تتعقد الأمور بظهور امرأة أخرى تدعي أنها أخته ، ليبدأ الصراع حول الأختين ، مجسدا في محاولة ( ناجي ) وأصدقائه للكشف عن الأخت الحقيقية ، لكن هذه الصراع ، ولا عجب ، في المسرحية ،يشكل معاناة ( ناجي ) الأساسية المتمثلة بمصادرة بيته وطرده إلى الشارع ، وان يبقى هذا البيت المصادر حاضرا في واجهة المسرحية كتقنية مصيرية بالنسبة لناجي ولأصدقائه المتضامنين معه .


والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذه المقام , ما الذي جعل المخرج ( كامل الباشا ) يعرض فكرة المسرحية في قالب كوميدي , مع العلم إن هذه الفكرة في حقيقتها تراجيدية مأساوية , إذا تتعرض لمدينة القدس ومعاناة أهلها , وما شخصية ناجي المطرود إلى الشارع بعد مصادرة بيته إلا احد الأمثلة على كثير من سكانها الذين تعرضوا لنفس المصير ؟






إن الإجابة عن السؤال سالف الذكر تكمن ـ حسب اعتقادي ـ في الرؤية العامة للمسرحية , حيث نهضت في هيكلها العام ، كتكنيك فني مبني ومهندس بعناية مدروسة وحرفية عالية تعكس إبداعية الرؤية الإخراجية لدى المخرج ، على الكوميديا والضحك , وذلك من اجل الإمساك بناصية الجمهور ودفعه راغبا عبر بوابة المتعة المتحصلة من الفرجة المسرحية إلى متابعة إحداث المسرحية وتتبع مواقفها وشخصياتها لحظة بلحظة , مما يؤدي ذلك كله إلى إيصال رسالة المسرحية وهدفها بشكل جمالي لا مجال فيه إلى الملل , أو الضجر لدى جمهور المتلقين. فالتوظيف الكوميدي في المسرحية جاء قصديا ، ذا هدف يخدم الفكرة العامة , وليس توظيفا عشوائيا , يشكل حشوا زائدا لمجرد الإضحاك المجاني على حساب الموضوع ، فيكون بلا فائدة ترجى منه ولا طائل من ورائه .


والجدير بالذكر , بل الملفت إلى النظر في المسرحية بشكل ساطع , حرفية الفنانين وتمكنهم في تجسيد أدوارهم بأسلوب عفوي سلس , مبتعدا عن الانتقال والتكلف في الأداء المسرحي , مما كرس هذا الأمر في ذهنية المتلقي للمشاهد واقعية الحدث بمنطقية إقناعية ، وصلت إلى حد اعتبارها حدثا حقيقيا يحدث ألان أمام المشاهدين , وليس مجرد حدث يقوم على التمثيل ضمن إطار درامي منظم الخطوات ومرسوم الحركات على خشبة المسرح .


وشيء آخر إن تنوع الشخصيات في هذا العرض المسرحي - عرب وأجانب – وتناوب اللغة العربية تارة واللغة الانكليزية تارة أخرى , عبر تسلسل الحدث المسرحي منذ البداية وحتى النهاية , اضفى ذلك كله نوعا من الإقرار الفني على العرض المسرحي من جهة , ومن جهة أخرى جاء هذه التنوع ليعكس قضية تمازج الثقافات الإنسانية وتتداخل العلاقات الاجتماعية


محطمة الحواجز التي تصنعها قوانين السياسة الجافة , بكل حيثياتها وجميع ملابساتها ’ أمام براءة التعايش الإنساني بين شعوب العالم اجمع .


إذن فإن المخرج الفنان ( كامل الباشا ) بقدر ما أمتعنا بعروض مسرحيته ( من القدس مع حبي)


كذلك فقد جعلنا نخرج من العرض بحالة ذهنية فكرية معبأة بالأسئلة الشفافة , التي ما فتئنا نبحث عن إجابات شافية حول واقع القدس بشكل خاص وواقعنا الفلسطيني بشكل أعم , ثم واقع علاقاتنا مع الأخر الأجنبي المتعاطف معنا وثقافته بشكل أكثر عمومية.


جسد ادوار المسرحية كل من : جمال أسعيد وعطا ناهد ونسبت وليد برهان ونكيا كلاي لند


وايفان ازازيان وآرثر لازالدي وميك كوهلمان .


يقي أن نشير إلى أن هذه المسرحية من إنتاج المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي بدعم من المكتب الملحق الثقافي الأمريكي في القدس ، وقدمت على مسرح تركي عبد العزيز في جامعة النجاح بالتعاون مع المركز الفرنسي في مدينة نابلس .










سعيد محمد سعادة






ناقد ومخرج مسرحي

0 التعليقات: